حيدر حب الله
427
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
تعني الإحجام عن البيعة وعن الموافقة عليها في هذه اللحظة ، ولهذا طلبت تلك المرأة أن تذهب لتُسعد فلانة ، وقد ورد في بعض الروايات التاريخيّة أنّ النبي أجابها إلى ذلك لتذهب ثم ترجع فتبايع ، وهذا المعنى ينسجم مع سائر روايات البيعة ، إذ لو كانت البيعة عبر الماء الذي في الطشت مثلًا أو عبر الإشارة باليد لكان معنى قبض اليد أنّها لم تضع يدها في الماء للمبايعة ولا أشارت بها ، بل قبضتها ، فليس في الحديث أيّ تصريح بأنّ القبض جاء في مقابل المصافحة حتى يُفهم منه أنّ سائر النسوة قد صافحن فعلًا ، بل هذا التفسير هو مقتضى التوفيق بين مختلف نصوص البيعة التي أجراها النبيّ دون حاجة لافتراض التأويل أو التكلّف أو الطرح في بعضها . وما ذكرناه ألمح إلى بعضه بعض العلماء والمناقشين هنا « 1 » . وهو في تقديري واضح . الدليل الثاني : الاستناد إلى بعض الروايات التي دلّت على أنّ النبي مباشرةً أو بتوكيل عمر بن الخطاب قد صافح النساء في البيعة من وراء الثوب . ومن نماذج ذلك ، ما رواه الشعبي أنّ النبي حين بايع النساء ، أتى ببرد قطري ، فوضعه على يده ، وقال : « لا أصافح النساء » « 2 » . ومن نماذج ذلك أيضاً خبر أسماء بنت يزيد ، أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، جمع نساء المسلمين للبيعة ، فقالت له أسماء : ألا تحسر لنا عن يدك يا رسول الله ؟ فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم : « إنّي لست أصافح النساء ، ولكن آخذ عليهنّ . . » « 3 » .
--> ( 1 ) راجع : فتح الباري 8 : 488 - 489 ؛ والألباني ، سلسلة الأحاديث الصحيحة 2 : 55 ؛ وفتاوى اللجنة الدائمة 17 : 40 . ( 2 ) فتح الباري 8 : 488 ؛ وتحفة الأحوذي 5 : 183 ؛ و 9 : 144 ؛ والزيلعي ، تخريج الأحاديث والآثار 3 : 464 . ( 3 ) مسند أحمد 6 : 454 ؛ ومجمع الزوائد 5 : 149 ؛ ومسند ابن راهويه 5 : 183 .